دولة داخل الدولة .. كيف أصبحت "إكسون موبيل" أكثر نفوذًا من الحكومة الأمريكية؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

في السادس من يوليو 1999 أرسلت السفارة الأمريكية بالعاصمة التشادية نجامينا برقية "حساسة" إلى وزارة الخارجية في واشنطن، تشتكي خلالها من تجاهل شركة النفط والغاز "إكسون" العاملة في تشاد للدبلوماسيين الأمريكيين هناك قائلة إن مسؤولي الشركة الأمريكية لا يطلبون حتى حضور أو مساعدة كبار المسؤولين بالسفارة أثناء اجتماعها مع الحكومة التشادية.

 

للوهلة الأولى تبدو هذه البرقية مثيرة جدًا للاستغراب، فكيف لشركة أمريكية مهما كان حجمها أن تتجاهل وزارة الخارجية الأمريكية رأسًا؟ ولكن تزول الدهشة ويمضي العجب حين تعلم أن استثمارات "إكسون موبيل" حينها في أنبوب النفط الرابط بين تشاد والكاميرون اقتربت من نحو 4.2 مليار دولار، فيما لم يزد إجمالي المساعدة التي تقدمها الحكومة الأمريكية لتشاد عن 3 ملايين دولار.

 

 

وخلال منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين بلغ إجمالي المساعدات الأمريكية المباشرة إلى تشاد أقل من عشرين مليون دولار سنويًا، في حين بلغ حجم الأموال التي دفعتها "إكسون موبيل" للحكومة كإتاوات عن مشروع خط الأنابيب أكثر من 500 مليون دولار، ولذلك لم يكن الرئيس التشادي "إدريس ديبي" بحاجة لآلة حاسبة لمعرفة أن رئيس "إكسون" أكثر أهمية بالنسبة له من وزير الخارجية الأمريكي.

 

بهذه الأموال امتلكت "إكسون موبيل" سطوة على الحكومة التشادية لا تمتلك وزارة الخارجية الأمريكية عُشرها، وهذه الحقيقة كانت تفهمها وتعيها جيدًا الشركة الأمريكية التي لم تكتف بتجاهل الدبلوماسيين الأمريكيين بل ذهبت إلى أبعد من ذلك وتحدتهم في عدة ملفات حين اقتضت مصلحتها ذلك، ودون أن تأبه بردود الفعل.

 

"إنهم أقوياء للغاية"

 

في كتابه الصادر في عام 2012 تحت عنوان "إمبراطورية خاصة: إكسون موبيل والقوة الأمريكية" يحكي الصحفي الأمريكي الشهير "ستيف كول" كيف أن "إكسون" ترى نفسها كياناً ذا سيادة خاصة عابرة للقارات، لديه قوة ومصالح وسياسة خارجية مستقلة عن الحكومة الأمريكية ولا يدين بالولاء سوى لمساهمي الشركة.

 

عدم اكتراث "إكسون موبيل" بما تريده الحكومة الأمريكية بدا واضحًا جدًا للعيان في أكتوبر 2011 حين تجاوزت الجميع وعقدت منفردة اتفاقًا نفطيًا مع الإدارة الكردية في منطقة كردستان، شمال العراق، وهي الخطوة التي كانت بمثابة طعنة في ظهر الحكومة العراقية في بغداد، وتحديًا للسياسة الأمريكية المعلنة في الدولة العربية.

 

 

أقدمت "إكسون موبيل" على تلك الخطوة دون أن تطلب الإذن من أحد بما في ذلك الحكومة الأمريكية، وهو ما أكده الرئيس السابق للشركة "ريكس تريلسون" حين صرّح خلال اجتماع عقده مع مسؤولي وزارة الخارجية عقب الإعلان عن الاتفاق لشرح سبب إقدام شركته على هذه الخطوة الخطيرة قائلًا: كان علي أن أفعل ما هو أفضل لمساهمي شركتي".

 

يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة "جونز هوبكنز" "جين فرانسوا سيزنك" عن نفوذ "إكسون موبيل" في الشرق الأوسط: "إنهم أقوياء للغاية في المنطقة، ولا يهتمون كثيرًا بما تريده وزارة الخارجية الأمريكية أو بما تود القيام به".

 

"إكسون موبيل" هي أكبر شركة نفط في الولايات المتحدة، ولديها أنشطة في 6 قارات، وتجند لصالحها مجموعات ضغط تضم مسؤولين سابقين في وزارة الخارجية الأمريكية والبنتاجون والمخابرات المركزية، وهو ما يجعلها بشكل من الأشكال دولة داخل الدولة.

 

متى تلجأ "إكسون" إلى الحكومة الأمريكية؟

 

في مقال نشرته صحيفة النيويوركر الأمريكية في ديسمبر من عام 2016 أشار "ستيف كول" إلى أن مسؤولي "إكسون" لديهم نظرة ازدراء وربما احتقار للمسؤولين الحكوميين في واشنطن، حيث إنهم يرون وزارة الخارجية الأمريكية تحديدًا باعتبارها كيانًا بيروقراطيًا غير مفيد يحكمه مجموعة من الدبلوماسيين الليبراليين الذين ينحاز أغلبهم ضد النفط.

 

ولكن لأنها تتحرك وفق مصلحتها ومصلحتها فقط، تتجاهل "إكسون" الحكومة الأمريكية حين تتعارض مصالحهما معًا، وتستعين بها حين تحتاج إليها. ففي برقية أرسلت إلى وزارة الخارجية الأمريكية في 26 أغسطس 2011 تحت عنوان "إكسون موبيل تطلب مساعدة الحكومة الأمريكية في استثمار للغاز الصخري" أشار دبلوماسي أمريكي إلى أن "إكسون" تطلب المساعدة للخروج من أزمة في ألمانيا.

 

 

في ذلك الوقت، واجهت "إكسون موبيل" حملة شرسة من قبل مجموعات البيئة في ألمانيا دفعت الحكومة الألمانية إلى تعليق مشاريع الغاز الصخري بما في ذلك المشاريع التي تخص "إكسون" وهو ما دفع الأخيرة إلى طلب تدخل المسؤولين الأمريكيين للتوسط لدى نظرائهم الألمان من أجل السماح بمضي هذه المشريع قدمًا.

 

نفس الأمر فعلته "إكسون" في 2009، حيث أشارت برقية دبلوماسية تعود لفبراير من ذلك العام إلى أن السفير الأمريكي في روسيا "جون بيرل" قام بناءً على طلب من "إكسون" بالحديث مع الحكومة الروسية حول مشروع للنفط والغاز البحري يدعى "ساخالين" بعد أن توقف على إثر خلاف بين الشركة والروس حول ميزانيات المشروع.

 

جهاز "إكسون" الاستخباراتي

 

في ديسمبر 2016 أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عزمه ترشيح الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل، "ريكس تريلسون" لمنصب وزير خارجية الولايات المتحدة، وهو الترشيح الذي أثار الكثير من الجدل بسبب العلاقة الوطيدة التي يحظى بها "تريلسون" مع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" الذي كان مثار جدل بسبب دور بلاده المعزوم في الانتخابات الرئاسية.

 

ولكن حتى قبل أن يقوم "ترامب" بترشيحه ليكون على رأس أعلى منصب دبلوماسي في الولايات المتحدة كان "ريكس تريلسون" يمتلك بالفعل وزارة خارجية خاصة به مكنته من خوض معارك كبيرة تنأى دول بنفسها عنها.

 

 

فخلف أسوار مقر "إكسون موبيل" في مدينة إيرفينج بولاية تكساس الأمريكية تتواجد وحدة خاصة بالاستخبارات والتحليلات السياسية يعمل فيها مسؤولون حكوميون واستخباراتيون سابقون وظيفتهم إطلاع كبار التنفيذيين بالشركة على أدق تفاصيل الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالدول التي تنشط فيها الشركة، حتى لا يدخلوا أي مفاوضات إلا وهم في أتم استعداد.

 

في الوقت نفسه تدير "إكسون" حوالي 45 ألف بئر للنفط والغاز الطبيعي في أكثر من عشرين دولة حول العالم تمتد من أستراليا إلى النرويج وتوظف أكثر من 70 ألف شخص.

 

في تقرير نشرته الثاني عشر من ديسمبر 2016 أشارت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية إلى أن "إكسون موبيل" أكثر من مجرد شركة بل هي كيان عملاق أشبه ما يكون بالدولة، ويمكن اعتبار مديرها التنفيذي هو رئيس تلك الدولة.

 

لكن يبقى هناك تساؤل يطرح نفسه بإلحاح يخص الشركة التي أعلنت قبل نهاية أكتوبر خفض وظائف في ظل تراجع أسعار النفط وتهاوي قيمتها السوقية من أكثر من 300 مليار دولار بدايات نوفمبر 2019 إلى ما يناهز 140 مليار دولار حاليًا عن بقاء نفس القوة والتأثير التي تتمتع بها من عدمه؟.

 

 

المصادر: أرقام – النيويوركر – واشنطن بوست – فورين بوليسي – نيويورك تايمز

كتاب: Private Empire: ExxonMobil and American Power

تجدر الاشارة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة على ارقام وقد قام فريق التحرير في اقتصادي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل او الاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

أخبار ذات صلة

0 تعليق