عندما يجتمع الغباء مع الجشع .. عواقب الألعاب الخطرة في أسواق المال

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

في صباح السادس من يوليو عام 1988 قام عمال الصيانة في "بايبر ألفا" – وهي أكبر وأقدم منصة للنفط والغاز في بحر الشمال – بتفكيك إحدى المضخات الاحتياطية من أجل التحقق من سلامة صمام الأمان بها. واستمرت أعمال الصيانة طوال اليوم إلى أن حلّ المساء وتوقف العمال عن العمل بعد أن أغلقوا المضخة، ثم وضعوا ورقة مكتوبًا عليها أن المضخة الاحتياطية غير قابلة للاستخدام.

 

 

ترك المهندس الورقة في غرفة التحكم وذهب، ولكن الغرفة كانت مشغولة؛ بسبب حدوث عدد من الانقطاعات بالإنتاج، وبالتالي لم ينتبه إلى الورقة أحد، في مساء ذلك اليوم، توقفت المضخة الأساسية عن العمل، وحينها سارع مهندسو غرفة التحكم إلى تشغيل المضخة الاحتياطية المفككة والتي لم تنتهِ أعمال الصيانة بها.

 

أخطاء انفجارية

 

بمجرد أن تم الضغط على زر التشغيل تسرب الغاز، واشتعلت فيه النار، ثم بدأت سلسلة من الانفجارات التي انتهت بتفجير المنصة بالكامل، وما زاد من حدة الانفجارات هو وجود مشاكل فنية أخرى بالمنصة، ففي العادة يكون لمنصات الغاز جدران قادرة على احتواء الانفجارات، ولكن المشكلة هي أن منصة "بايبر ألفا" كانت بالأساس منصة نفط قبل أن يتم تعديلها لتصبح منصة غاز، والنفط قابل للاشتعال ولكنه نادرًا ما يكون انفجاريًا مثل الغاز.

 

المشكلة الأخرى، هي أن المهندسين المصممين للمنصة لم يراعوا في التصميم ضرورة إبعاد غرفة التحكم عن أي مخاطر محتملة، ولذلك بمجرد أن بدأ الانفجار توقفت غرفة التحكم عن العمل.

 

ولم تبدأ مضخات مكافحة الحرائق المسؤولة عن سحب كميات كبيرة من مياه البحر في العمل بشكل تلقائي؛ بسبب إجراءات السلامة المصممة لحماية الغواصين من أن تسحبهم المضخة، وكان من الممكن أن يتم تجاوز هذا النظام من خلال غرفة التحكم، ولكنها قد دمرت.

 

 

دمار غرفة التحكم أدى إلى كارثة أخرى وهي عدم وجود أي تنسيق لعملية الإخلاء، لذلك تراجع عمال المنصة إلى مقراتهم السكنية بالمنصة واحترق أكثرهم هناك، وفي الوقت نفسه واصل اثنان من الحفارات القريبة من "بايبر ألفا" المشتعلة في ضخ الغاز نحوها، وذلك لأن مشغلي الحفارين كانوا خائفين من تحمل تبعات اتخاذ قرار بإيقاف الإنتاج؛ لأن هذا القرار تكلفته كبيرة.

 

استمر الحفاران في ضخ الغاز نحو المنصة المشتعلة، ليزداد الحريق اشتعالًا، لدرجة أن فرق الإنقاذ لم تستطع الاقتراب من المنصة في البداية؛ بسبب شدة الحريق والذي أدى لوفاة اثنين من طاقم الإنقاذ وهما على متن زوارقهما في البحر. وبعد أقل من ساعتين من الانفجار الأول، انهار المبنى السكني الحديدي في المياه، بعد أن أكل النار أساساته، ليلقى 176 رجلًا حتفهم، بينما لم ينج سوى 59 من أولئك الذين قفزوا من على ارتفاع يقارب العشرة طوابق في المياه.

 

الحلزونة

 

لمدة 3 أسابيع أخرى، استمر الحريق مشتعلًا قبل أن تصبح المنصة أثرًا بعد عين، وعلى إثر تلك الفاجعة، بدأ خبراء السلامة الصناعية في دراسة الأخطاء التي تسببت في تلك الكارثة، بغرض الحيلولة دون وقوع مآسٍ أخرى مثل هذه في المستقبل.

 

قبل أن تنتهي حرائق "بايبر ألفا"، تسببت المنصة في اندلاع حريق أكبر ولكنه هذه المرة ليس في البحر وإنما في سوق "لويدز لندن" للتأمين.

 

كانت شركة "أوكسيدنتال بتروليوم" المشغلة لـ"بايبر ألفا" قد اشترت بوليصة تأمين مباشرة للمنصة من إحدى شركات التأمين في لويدز لندن، والمنطق يقول إن الشركة التي باعت لـ"أوكسيدنتال بتروليوم" هذه البوليصة هي ما تتحمل قيمة التعويض عن الخسائر التي تعرضت لها إثر الانفجار.

 

 

ولكن المسألة كانت أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فالشركة التي باعت لـ"أوكسيدنتال بتروليوم" بوليصة التأمين، قامت من ناحيتها بالتعاقد مع شركة أخرى للتأمين على البوليصة، أي تعاقدت معها من أجل التأمين على التأمين، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث قامت الشركة التي أمنت على البوليصة بالتأمين على تأمين التأمين!

 

وهكذا، استمرت شركات التأمين في تداول البوليصة بينها في نشاط شبه حلزوني يعرف باسم "إعادة التأمين" يستفيد فيه الكل من الرسوم التي يفرضونها على بعضهم البعض مقابل إزاحة المخاطر التي أصبحت سلعة يبيعها هؤلاء ويتربحون منها.

 

كانت شركات التأمين تعتقد أنها بتلك الممارسة تقوم بتوزيع المخاطر فيما بينها، غير أن ما حدث فعلًا هو العكس، فبهذا الشكل أصبحت المخاطر أكثر تركيزًا وأصبح السوق بالكامل معرّضًا بشكل كبير لخطر الاضطرار لتقديم تعويضات ضخمة لنفس الشركة، وهو ما حدث في حالة "بايبر ألفا".

 

تعويضات بالمليارات

 

في حادثة "بايبر ألفا" اضطرت شركات التأمين لدفع مليار دولار بشكل مبدئي، في واحد من أكبر تعويضات التأمين التي تدفع لشركة واحدة في التاريخ، قبل أن يبلغ إجمالي التعويضات المرتبطة بتلك الحادثة في السنوات التالية حوالي 16 مليار دولار، صعقت شركات التأمين؛ حينما اكتشفت أن ما فعلته لم يكن سوى التأمين على "بايبر ألفا" أكثر من مرة.

 

بسبب خليط من الجشع وعدم الفهم وخداع الذات بدأت حكاية عقود إعادة التأمين في السوق، فعلى خلفية ضعف الطلب من قبل الشركات والأفراد على عقود التأمين، بدأت شركات التأمين في اختراع طرق جديدة لتوسيع السوق، وكانت خطتهم هي أن يبيعوا المخاطر لبعضهم البعض، ويحققوا الأرباح من دوران الرسوم بينهم بهذا الشكل.

 

 

ولكن سوق التأمين فعليًا لم يكن ينمو، بل كان ببساطة يخترع طرقًا جديدة لإعادة تدوير رأس المال الزائد.

 

وعندما وقعت حادثة كبيرة مثل حادثة "بايبر ألفا" بدأت كل شركات التأمين في ترحيل الخسائر إلى بعضها البعض، وانكشفت سوأة الجميع فجأة، ليدخل سوق لندن للتأمين بالكامل في أزمة جعلته على حافة الانهيار التام.

 

وللأسف، الإنسان لا يتعلم. فنفس الخطأ الذي وقع فيه سوق لويدز لندن في الثمانينيات وقع فيه سوق الرهون العقارية الأمريكي في الفترة ما قبل انهيار 2008. الفكرة في الحالتين كانت واحدة، وهي خلق المال من المال، ومعاملته كسلعة في حد ذاته، والنتيجة هي سوق متضخم يتجاوز حجمه بكثير حجم الاقتصاد الحقيقي.

 

 

المصادر: أرقام – فايناشيال تايمز – التلغراف

كتاب: Adapt: Why Success Always Starts with Failure

تجدر الاشارة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة على ارقام وقد قام فريق التحرير في اقتصادي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل او الاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

أخبار ذات صلة

0 تعليق