أسطورة "تجنب الخسارة" .. لماذا نستثمر إذا كنا نخشى ضياع أموالنا؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

"من المؤكد أن مصطلح تجنب الخسارة هو أهم مساهمة لعلم النفس في الاقتصاد السلوكي".. هكذا يصف الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد "دانيال كانيمان" المصطلح الذي يتكرر كثيراً في تحليلات اقتصادية ومالية.

 

لكن مع الاعتراف بحقيقة أن الجميع يسعون بشكل مفهوم لتجنب الخسارة دائماً، فإن مدى تأثير تلك الرغبة على قرارات المستثمرين يظل أمراً أبعد ما يكون عن الحسم.

 

 

الخسارة تؤلم أكثر

 

يقول "تشارلز داروين" إن الجميع يشعر باللوم أكثر من إحساسهم بتلقي الثناء، وهي عبارة تعبر عن قوة المشاعر السلبية في التأثير على نفسية الناس وبالتبعية تصرفاتهم أكثر من تلك الجيدة.

 

وقد يبدو ذلك جلياً في العلاقات الشخصية، حيث تشير الدراسات إلى أن الأمر يتطلب ما لا يقل عن خمسة تعليقات لطيفة لتعويض تعليق نقدي واحد فقط يتعرض له شخص ما.

 

لكن الحديث عن "الانزعاج من الخسارة" ظهر بشكل علمي في ثمانينيات القرن الماضي، مع بداية الارتباط الذي تسارع لاحقاً بين علم النفس من جانب وسلوك الأفراد في النشاط الاقتصادي من جهة أخرى.

 

و"تجنب الخسارة" هو انحياز سلوكي يشير إلى أن الألم الناتج عن خسارة شيء ما يعادل ضعف حدة المشاعر الإيجابية الناتجة عن ربح أو حيازة جديدة وما ينتج عنه من سعادة.

 

الأشخاص بطبيعتهم يرتبطون بما يمتلكونه سواء كان شيئاً ملموساً أو خدمة اعتادوا الحصول عليها أو بالطبع أموالاً في حوزتهم، افتقاد ما نمتلكه يثير ألماً يتجاوز متعة الإضافة إليه وزيادته.

 

ويفضل الكثير من الناس عدم خسارة 20 ريالاً أكثر من سعيهم لكسب نفس المبلغ، لأن ألم فقدان المال يكون عادة أكبر من متعة ربح المزيد منه.

 

 

لكن مشكلة هذا التحيز أنها تقدم للبعض دافعاً قوياً للتصرف بطرق معينة، وأحياناً تكون هذه التصرفات أبعد ما تكون عن العقلانية والمنطق وحتى تحقيق الهدف الأصلي وهو "تجنب الخسارة".

 

ومن خلال عبارات مثل "عرض لا يمكن تجاهله" أو "أسرع قبل نهاية العرض"، تستخدم بعض الحملات التسويقية هذا الخوف التلقائي لدى البعض من الخسارة في دفع العملاء لشراء المنتج عبر منحهم شعوراً بأنهم سيخسرون الكثير إذا لم يتخذوا قرار الحيازة بسرعة.

 

سلوك المستهلكين نفسه يبدو متأثراً أحياناً بهذا التحيز، فزيادة أسعار البيض في الولايات المتحدة بنسبة 10% في الفترة بين يوليو 1981 وحتى 1983 تسببت في هبوط الطلب 7.8%، في حين أن انخفاض السعر لاحقاً بنفس النسبة لم يرفع الاستهلاك سوى 3.3%.

 

شبح الخسارة المخيف

 

بالتأكيد عندما يدخل أي شخص لعبة الاستثمار في سوق الأسهم فإنه يركز كل تفكيره على هدفين: تحقيق أقصى ربح ممكن وتجنب الخسارة قدر الإمكان.

 

لكن الأمر ليس بهذه البساطة بالطبع، فالرغبات وحدها لا تكفي لأن الأمر يتعلق بحسن الاختيار ثم كيفية التعامل مع تقلبات السوق ونهاية بقرار الاحتفاظ أو البيع وتوقيته.

 

 

يرى "كانيمان" أن النفور من الخسارة يتسبب في تركيز المستثمرين على الخسائر أكثر من المكاسب، وبالتالي يؤدي لاتخاذ قرارات استثمارية معيبة مع الإفراط في الخوف وكراهية المخاطرة بشكل غير منطقي.

 

بالطبع قد يكون بعض الخوف منطقياً تماماً، فإذا كانت خسارتك المحتملة لـ10 آلاف ريال من محفظتك الاستثمارية تعني عدم قدرتك على سداد إيجار واحتياجات المنزل أو التزامات ضرورية، فإنها لا يمكن أن تعادل المخاطرة لتحقيق ربح بنفس القيمة للذهاب في عطلة لطيفة.

 

لكن انحياز النفور من الخسارة يظهر بشكل أوضح في حالة كانت نتيجة المخاطرة أو السعي للأمان ذات تأثير ضئيل على حياة شخص ما، فإذا كانت الخسارة أو الربح لن تمثل تغيراً كبيراً، فإن بعض الأبحاث ترى أن الناس عادة ما ينفرون من المخاطرة.

 

واستخدم باحثون تجربة صغيرة للتدليل على تأثير شعور تجنب الخسارة، حيث قاموا بسؤال بعض الأشخاص عما إذا كانوا يقبلون الدخول في تحدٍ بقيمة 10 دولارات مع احتمالية متساوية للفوز أو الخسارة.

 

 

بالطبع هنا لن تؤثر الدولارات العشرة بشكل جذري على حياة الناس، لكن التجربة أثبتت أن معظم المشاركين في التحدي رفضوا القبول، وهي نتيجة اعتبرها الباحثون أنها دليل على قوة النفور من الخسارة.

 

ذهب البعض أبعد من ذلك بالإشارة إلى أن نتيجة هذه التجربة وغيرها تشير إلى أن الخوف من الخسارة يؤثر على قرارات الاستثمار بشكل أوسع، لتدفع المستثمرين لقرارات غير منطقية أحياناً خوفاً من الاحتمالات السيئة.

 

لكن هل هذا الاستنتاج يمثل أمراً واقعاً لا يمكن نقده علمياً بالفعل؟

 

هل نتأثر بالفعل؟

 

في حين يبدو بالنسبة للكثيرين أن انحياز النفور من الخسارة يمثل حقيقة علمية مثبتة لا يمكن دحضها، فإن الواقع يشير إلى أن الأمر ربما ليس بمثل هذا الحسم.

 

تبرز إحدى المشكلات في تجربة تحدي الـ10 دولارات سالفة الذكر أنه عند سؤال المشاركين عن سبب رفضهم فإنهم لا يذكرون أن الخسارة المحتملة أكثر أهمية بالنسبة لهم من الربح.

 

كما أن طريقة صياغة التحدي يكون لها تأثير كبير على قرار القبول أو الرفض، خاصة فيما يتعلق بالمخاطرة في الأمور صغيرة الحجم والتأثير.

 

فهذ التجارب المتكررة والتي تؤسس لفكرة النفور من الخسارة عادة ما تخلط بين الخوف وحقيقة عدم مبالاة البعض باعتبار أن النتيجة لن تشكل تغييراً مهماً يبرر الدخول في هذا التحدي من الأساس.

 

افتقاد الحافز القوي لدى البعض يتم خلطه أحياناً بأنه خوف من الخسارة، لكنه في الواقع لا يمثل سوى عدم اهتمام بالأمر الذي لن يشكل فارقاً يذكر.

 

وتشير بعض الدراسات إلى أنه عندما تتحول القرارات المتعلقة بالخسارة والمكسب لفكرة الاختيار بين التغيير أو بقاء الواضع الراهن، فإنه لا وجود لدليل على تفوق شعور تجنب الخسارة حينها.

 

فعندما طُلب من البعض الاختيار بين عدم تلقي أي أموال أو قبول تحدٍ بنسبة 50% لربح أو خسارة 10 دولارات، اختار حوالي نصف الأشخاص قبول التحدي.

 

 

بمعنى آخر، إذا كان الخيار بين الوضع الراهن "عدم تلقي أي أموال" أو قبول التحدي الذي يشمل خسارة أو مكسباً، فإن اعتقاد تفضيل الأمان يتلاشى.

 

حتى اعتقاد البعض بأن ميل بعض المستثمرين لبيع الأسهم الرابحة سريعاً بينما يتم الاحتفاظ بالأخرى المتراجعة لفترة طويلة يدل على كره الخسارة، يظل أمراً قابلاً للرد عليه.

 

فهذا التصرف الذي يمثل أزمة مستمرة لكثير من المستثمرين يعني الرغبة في تحويل الربح الورقي إلى آخر حقيقي من جهة وتجنب الخسارة عبر انتظار تحول الأسهم المنخفضة للارتفاع من جانب آخر، وبالتالي فإنه لا يشير إلى تفضيل حافز الخوف وإنما السعي لكليهما: الربح وتجنب الخسارة معاً.

 

كما أن البعض يؤمن بفكرة الارتداد المؤكد، حيث إن الأسهم التي تتراجع قد تتحول للارتفاع لاحقا في مرحلة ما، بالتبعية فإنه لا يمكن التأكد من أن عدم بيع الأسهم الخاسرة ينبع من رفض الخسارة بقدر ما قد يكون نتيجة السعي للربح وانتظاره.

 

منطقياً، فكرة الدخول في سوق الأسهم بحد ذاتها تعني ضمنياً قبولاً واستعدادًا للمخاطرة من قبل المستثمر، لأنه يعلم تماماً أن السعر قد يرتفع أو ينخفض وأنه لا وجود للأمان في السوق.

 

باختصار، في حين تنطبق فكرة "النفور من الخسارة" على البعض في مواقف محددة، فإنه لا يمكن تعميمها على الجميع طوال الوقت، بل على العكس تماماً قد نجد الكثيرين أكثر إقبالاً على المخاطرة وفقاً لثقافتهم وأوضاعهم المالية وغيرها من العوامل الكثيرة.

 

وفي الاستثمار، القرار دائماً يتوقف على دراسة وشخصية وظروف كل مستثمر، ولا مجال لتعميم شامل يضع فئة كبيرة في سلة واحدة.

 

 

المصادر: أرقام –سي إف إيه –فسيولوجي توداي –هارفارد بيزنس ريفيو

دراسة: Loss Aversion, Intellectual Inertia, and a Call for a More Contrarian Science

تجدر الاشارة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة على ارقام وقد قام فريق التحرير في اقتصادي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل او الاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

أخبار ذات صلة

0 تعليق