هروب اللبنانيين من المصارف ينعش العقارات بأسعار وهمية.. هل سيشهد القطاع نكبة جديدة؟

الجزيرة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

في عام 2014 قررت المواطنة اللبنانية مروة ملقي (30 عاما) أن تستدين قرضا من المصرف لشراء منزل لعائلتها الصغيرة، ولم تجد في ذلك الحين غير هذه الطريقة لاقتناء بيت، فبلغ سعره نحو 135 ألف دولار، بعد أن توالى ارتفاع أسعار الشقق في العقدين الأخيرين إلى مستويات قياسية تتجاوز بأضعاف قدرة اللبنانيين الشرائية.

تروي مروة للجزيرة نت قصة بيتها الذي باعته قبل أشهر، وتعتبر أنها جازفت بمخاطر تسديد ثمنه على 30 عاما مع فوائد مرتفعة "لأنني كنت أظن أن الاقتراض لامتلاك منزل هو خيار آمن في لبنان، قبل أن تنهال الأزمات التي جعلت القرض عبئا ثقيلا، وصرت أفتش عن طريقة للتخلص منه".

بعد الاحتجاجات الشعبية التي شهدها لبنان في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 وما تبعها من انهيارات اقتصادية ومعيشية في البلاد تأثرت مروة كباقي اللبنانيين بالأزمة إثر قفز تداولات الدولار تدريجيا من 1500 إلى عتبة 8800 ليرة، والقيود المشددة التي فرضتها المصارف اللبنانية على حركة أموال مودعيها.

وفكرت مروة ببيع المنزل بعد أن تآكل راتبها وصار بالكاد يكفي لتأمين حاجاتها الأساسية، فاستطاعت أن تجد زبونا يسعى لتحرير ودائعه المحتجزة بأي طريقة، فأعطاها شيكا مصرفيا بقيمة 20 ألف دولار كبدل عن النسبة التي سددتها للمصرف في السنوات السابقة، وقام هو بتصريف نحو 10 آلاف دولار في السوق السوداء لتسديد باقي القرض للمصرف.

وهكذا، اشترى الزبون منزلها بنحو 30 ألف دولار (بين شيك وكاش)، فحرر وديعته بامتلاك عقار، فيما تخلصت مروة من قرض منزلها مقابل شيك لا تستطيع الحصول على قيمته الفعلية بالدولار، فأودعته في المصرف على أمل أن يتم حل أزمة المودعين بلبنان.

4cd1eb9f46.jpg

الانتعاش الوهمي

هذه قصة من آلاف قصص اللبنانيين الذين قاموا بعد الأزمة المصرفية بأوسع عملية بيع وشراء في القطاع العقاري، فجسد ملاذهم الوحيد للتصرف بأموالهم المحتجزة في المصارف، إذ تظهر آخر التقديرات أن إجمالي عمليات بيع العقارات ارتفع نحو 115% في أول 10 أشهر من العام 2020 مقارنة بالفترة نفسها من العام 2019.

شكليا، عادت الأزمة الاقتصادية المصرفية بنتائج عكسية على مستوى انتعاش القطاع العقاري، لكن بعض الخبراء وجدوا فيه انتعاشا وهميا ومؤقتا يمهد لنكبة القطاع، وتوقع كثيرون أن تظهر ارتداداته العكسية بين عامي 2021 و2022، وأن يبدأ تراجع الاستثمار العقاري هذا العام نتيجة تشبع القطاع.

وما حصل في 2020 كان نتيجة متوقعة لأزمة المصارف التي دفعت زبائنها لتحويل ودائعهم المحتجزة إلى وحدات عقارية، فاستفاد المطورون العقاريون من الأزمة، فيما رفعت الشيكات المصرفية سعر العقار نظريا، لكنها خفضته عبر الدفع بالدولار النقدي.

هذا ما يذهب إليه أمين سر جمعية المطورين العقاريين مسعد فارس الذي شرح في حديث للجزيرة نت طبيعة التحول الذي شهده القطاع العقاري بلبنان، ففي منتصف 2019 بدأ السوق العقاري يتحرك نسبيا بعد تباطؤ كبير استمر من 2011 حتى أوائل 2019، ليشهد زخم حركته في 2020 حين بدأت تتوالى قرارات المصارف بشأن فرض قيود مشددة على حركة أموال مودعيها بالعملات الصعبة، فلجؤوا تلقائيا إلى السوق العقاري، وصار كل واحد يشتري حسب حجم وديعته.

وهكذا، لعبت المصارف دور الوسيط بين المودعين والمطورين العقاريين، واستفادت من الأزمة عبر تخفيض نحو 15 مليار دولار من الديون العقارية المترتبة عليها، وفق فارس.

وقال إن "أموال القطاع العقاري في أواخر 2019 كانت تشكل بالمصارف نحو 21 مليار دولار، ومن أصلها نحو 11 مليارا للمطورين العقاريين، و9 مليارات دولار لعامة الشعب، بين قروض سكنية وفردية من المصارف التجارية أو مؤسسة الإسكان، أما الآن فتراجعت أموال هذا القطاع بالمصارف لنحو 6 أو 7 مليارات دولار".

وبين أواخر 2019 و2020 كان المخزون الموجود في السوق العقاري يتراوح بين 50 و60 ألف وحدة سكنية لم يبق منها إلا نحو 7 آلاف وحدة، بحسب فارس.

ولفت إلى أن معظم الوحدات المستعملة جرى بيعها، ولا يستبعد وجود عقود بيع قديمة غير مسجلة وجرى دفع رسومها في 2020، إذ جرى أيضا تسجيل نحو 10 آلاف شقة رسميا.

ومن خلال مراقبته للسوق لاحظ فارس أن كبار المستثمرين اشتروا أراضي أو مكاتب، لأن الجميع سعى للاستفادة من عروض المطورين خلال الأزمة، ووصلت بعض الحسومات إلى 40%، خصوصا أن المطورين كانوا يستعجلون البيع لتسديد ديونهم المصرفية.

ومع نهاية 2020 وبداية 2021 لم يدم هذا الوضع بعد أن رأى المطورون أن الإقبال على شراء العقارات ما زال كبيرا، فبدؤوا يخفضون حسوماتهم، لا بل رفع بعضهم أسعار العقارات بنسبة 30% في حال كانت عملية الشراء عبر شيك مصرفي بسبب العجز عن التصرف به.

417e7c0fb9.jpg

إدارة المخاطر

من جهته، يرى نسيب جبريل الخبير المالي رئيس قسم البحث والتحليل الاقتصادي في مجموعة بنك "بيبلوس" أن المصارف كانت شاهدة خلال 2020 على نوع من الهجوم على القطاع العقاري، للاعتقاد بأن العقارات هي استثمار آمن للحفاظ على قيمة الأموال، مما أدى لارتفاع مصطنع بالأسعار.

ويشير جبريل إلى أن مليارات الدولارات خرجت من القطاع المصرفي خلال 2020، معظمهما للاستثمار بالعقارات، وكان التوجه لشراء الأراضي والشقق أكثر من المحلات التجارية بسبب صعوبة إطلاق المشاريع الاقتصادية.

وقال إن هذا الوضع أدى لنوع من "إدارة المخاطر"، فأولا: استفاد المودع من تحرير أمواله، وثانيا: استفاد المطور من تصريف مخزونه، أما ثالثا فقد حصلت المصارف نسبة كبيرة من قيمة قروضها.

ويكشف الخبير في تصريح للجزيرة نت بعض الأرقام المصرفية، إذ في عام 2020 بلغ عدد المعاملات العقارية 82 ألفا و202 عملية مسجلة لدى الدوائر العقارية، وهو ارتفاع بنسبة 63% عن 50 ألفا و352 معاملة عقارية مسجلة في 2019.

ويلفت إلى أن مجمل العمليات العقارية بلغ حجمها 14 مليارا و400 مليون دولار في 2020، أي ارتفعت 110.4% عن 6 مليارات و840 مليون دولار في 2019.

كما أن الودائع في القطاع المصرفي تراجعت 19 مليار دولار في أول 11 شهرا في 2020، ومن أول 2019 إلى آخر نوفمبر/تشرين الثاني 2020 كانت الحصيلة تراجع الودائع بمقدار 33 مليار دولار، ونصفها عبارة عن قروض عقارية جرى تسديدها، ليس من مطورين عقاريين فحسب، وإنما من شركات تجارية وأفراد عاديين.

نكبة السوق العقاري

يبدو أن حركة السوق العقاري ستعود للتباطؤ بدءا من 2021، ولا سيما أنه سيواجه تداعيات الأزمة الفعلية، في ظل عدم وجود قروض مصرفية جديدة من جهة، وتسعير تكلفة مواد البناء المستوردة بالدولار من جهة أخرى، كما تحدثت بعض التقارير عن انخفاض إجمالي مساحة تصاريح البناء الجديدة إلى نحو 61% في 2020.

يؤكد ذلك نقيب المهندسين في بيروت جاد تابت الذي قال للجزيرة نت إن تراجع مجموع تراخيص البناء بدأ تدريجيا، ليسجل رقما غير مسبوق في 2020، إذ شملت التراخيص نحو 4 آلاف متر مربع فقط، فيما في 2017 كانت تبلغ نحو 11 ألف متر مربع.

وتوقع تابت أن يستمر التراجع إلى مستوى شبه انعدام مشاريع البناء الجديدة في ظل استيراد لبنان مواد البناء بنسبة 100%، فيما يعجز أصحاب المشاريع العقارية عن تأمين تكلفة شرائها بالدولار.

من جهته، يستبعد نسيب جبريل استمرار الطفرة العقارية، لأن المطورين العقاريين سددوا ديونهم، ومن لديه وحدات سكنية فارغة لن يبيعها مقابل شيك، وإنما سيطالب بالدولار النقدي.

ويتفق مسعد فارس مع هذا الرأي، واصفا واقع السوق العقاري في 2021 بـ"الصعب جدا"، خصوصا بعد انقطاع العلاقة مع المصارف اللبنانية التي كانت رائدة في مجال تأمين القروض السكنية والشخصية.

ويرجح فارس أن تصبح العلاقة بين البائع والمشتري في السوق العقاري معقدة على الشكل الآتي: المطور غير المديون لا يستعجل البيع بسعر منخفض، والمشتري لن يدفع سعرا مرتفعا خلال الأزمة الراهنة.

ويتوقع فارس أن يستمر التباطؤ حتى أوائل 2022، وحينها يمكن أن تتراجع أسعار العقارات، وأن يصبح صغار المستثمرين مرنين بالبيع نتيجة حاجتهم للمال في ظل شح المداخيل بلبنان، وقد يطال الأمر انخفاض أسعار الوحدات الصغيرة من دون أن نشهد انهيارا كاملا بالأسعار.

تجدر الاشارة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة على الجزيرة وقد قام فريق التحرير في اقتصادي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل او الاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق